عانت صغيرتي ذات الست سنوات لفترات طويلة من القلق والتوتر. وربما لكونها من أطفال فترة كورونا أثر ذلك على شخصيتها فقد كان استكشافها للعالم محدودًا، والوجوه التي تراها غالبًا مغطاة بالكمامات، والاختلاط بالآخرين قليلًا. لذلك عندما بدأت الحياة تعود لطبيعتها، أصبحت الوجوه المكشوفة والأماكن الجديدة مصدرًا للرهبة بالنسبة لها، وكانت تحتاج إلى وقت طويل حتى تشعر بالأمان وتجرؤ على الانطلاق بدوني.
رغم وجود عائلة كبيرة حولها، ورغم كل الحلول والاقتراحات التي جربناها، كان هذا الشعور يسيطر عليها في كل تجربة جديدة. وكأننا في كل مرة نعود إلى نقطة الصفر، وجملة واحدة كانت ترددها دائمًا:
“أريد أن أكون مع ماما.”
كنت أحيانًا أشعر بالحيرة… هل أضغط عليها لتعتاد؟ أم أحتويها أكثر؟ وهل ما تمر به مجرد مرحلة عابرة، أم أن الأمر يحتاج إلى فهم أعمق؟
قررنا أن نجرب السباحة بحثت طويلًا عن نادي يقدم تدريبًا جيدًا، ليس لأن هدفي أن تتعلم السباحة فقط، بل لأنها كانت فرصة لتتعلم الاعتماد على نفسها خطوة بخطوة.
ولن أخبركم بأن الأيام الأولى كانت سهلة، بالعكس تمامًا ! كانت أيامًا مليئة بالبكاء والتمسك بي، وكانت كل حصة تحتاج إلى صبر وتشجيع والكثير من الحماس والتصفيق . وفعلا وجود مدربة متفهمة أحدث فرقًا كبيرًا. ومع مرور الوقت بدأت تبتعد عني لدقائق، ثم لفترة أطول، حتى أصبحت تدخل الحصة بابتسامة وثقة لم أكن أتخيلها في البداية.
ووصلنا إلى مرحلة القفز، ثم تدريبات الغوص البسيطة. أدركت وقتها أن عالم الماء لم يعلمها السباحة فقط، بل منحها شيئًا أهم… الثقة بنفسها.
ورغم هذا التحسن، ظل القلق يؤثر عليها دراسيًا. كان البكاء عند الذهاب إلى المدرسة يرهقها ويستهلك جزءًا كبيرًا من يومها، وهنا شعرت أن الوقت قد حان لطلب المساعدة من مختصة.
ما زلت أذكر كلمات الأخصائية النفسية، وكانت من أكثر الجمل التي رسخت في ذاكرتي :
“هي لا تحتاج أن تتخلص من مشاعرها، بل تحتاج أن تشعر بالأمان في كل مكان جديد. الأطفال يختلفون في طريقة إدراكهم للعالم، وبعضهم يحتاج وقتًا أطول حتى يطمئن.”
طلبت مني أن أساعدها على تسمية مشاعرها بشكل صحيح. فبدلًا من أن أقول لها “لا تخافي”، أسألها: “هل تشعرين بالقلق؟ هل أنت متوترة؟” لأن الطفل عندما يعرف اسم الشعور يصبح قادرًا على فهمه والتعامل معه، بدل أن يشعر بأن هناك شيئًا غامضًا يسيطر عليه.
كما نصحتني ألا أجيب عن سؤالها المتكرر: “متى نرجع البيت؟”، لأن المنزل بالنسبة لها كان رمز الأمان. بل أقول لها: “نحن هنا لنستمتع، وعندما تنتهي الزيارة سنعود.” بهذه الطريقة يتحول تركيزها من انتظار العودة إلى الاستمتاع بالحاضر، ويخف الضغط الذي تضعه على نفسها وهي تعد الدقائق للرجوع الى مكانها الآمن.
ومن النصائح التي ساعدتنا أيضًا أن أقلل من فترة الوداع الطويلة صباحًا، وأن أجعلها تعرف أن هناك شيئًا جميلًا ينتظرها بعد المدرسة؛ وجبة تحبها، أو وقتًا نقضيه معًا، أو نشاطًا بسيطًا. لم يكن الهدف مكافأتها، بل طمأنتها بأن العودة إلى المنزل أمر مؤكد، وأن هذا الفراق مؤقت.
وخلال بحثي عن وسائل تساعدها، وجدت أن الكتب كانت من أجمل الهدايا التي قدمتها لها، وكانت كتب دار أسفار أفضل كتب ساعدتني في تجاوز القلق

كان أولها كتاب “القلق المقلق“، وهو كتاب أصبح رفيق رحلاتنا، وما زلنا نعود إليه حتى اليوم.
أعجبني لأنه لا يشرح القلق بطريقة معقدة، بل يجسده كشخصية تكبر كلما استسلمنا لها، وتصغر كلما تعلمنا كيف نواجهها.
تعلمت صغيرتي من خلاله أن القلق ليس عيبًا، وليس شيئًا يجب أن نخجل منه، وإنما شعور يزور الجميع. لكنه إذا تركناه يكبر، فقد يحرمنا من الاستمتاع بأيام جميلة وتجارب رائعة ويصبح مصدر ازعاج .
ويحتوي الكتاب على تمارين بسيطة مثل التنفس العميق، ومراقبة الأفكار، وكيفية تهدئة الجسد عندما نشعر بالتوتر.
وربطت هذه التمارين بشيء قريب من قلبها؛ كنا نقرأ المعوذات معًا، ونضع أيدينا على صدورنا، ونأخذ نفسًا عميقًا.
ومع مرور الوقت أصبحت هي من تذكرني بهذه الخطوات.
قبل أسبوعين وهيا تتجهز صباحاُ لتدريب حفلة المدرسة قالت لي صباحًا:
“القلق جاء يزورني اليوم هو وجدته أيضا كانت معه !.”
سألتها: “وماذا كان يقول؟”
قالت: “كان يقول لي فستان الحفلة سوف يتمزق، و الأفضل أن أهرب.”
ابتسمت، لأنني أدركت أنها لم تعد تقول: “أنا خائفة”، بل أصبحت ترى القلق كضيف يمكن أن يأتي ويمكن أن يرحل. فكرنا في حلول وقت التدريب كيف تتصرف وكيف تستمتع مع صديقاتها
وبعد انتهاء التدريبات وعودتها للمنزل في الظهر سألتها:
“كيف كان القلق وجدته ؟”
فضحكت وقالت:
“هربوا من المكيف!”
ضحكت معها كثيرًا، لكن داخلي كان يحتفل. لأنها لأول مرة استطاعت أن تتجاوز مخاوفها .
أما الكتاب الثاني، “المخاوف التي تخاف منها”، فقد أحببناه أيضًا لأنه يوضح أن المخاوف ليست كلها سيئة.
فهناك مخاوف جيدة تحمينا وتجعلنا أكثر حذرًا، وهناك مخاوف أخرى تكبر داخلنا حتى تمنعنا من الاستمتاع بالحياة وخوض التجارب الجديدة.
تعلمت أن تسمية الخوف هي أول خطوة لمواجهته. فعندما تقول: “أنا أخاف من المكان الجديد” أو “أخاف أن أبتعد عن ماما” يصبح من الأسهل أن نتحدث عنه ونبحث عن حلول، بدل أن يبقى شعورًا غامضًا يزيد توترها وعصبيتها.
اليوم، وبعد كل هذه الرحلة، لا أستطيع أن أقول إن القلق اختفى تمامًا.
ما زالت هناك مواقف جديدة تحتاج فيها إلى وقت حتى تشعر بالأمان، لكن الفرق الكبير أنها أصبحت تعرف ماذا تشعر، وتمتلك أدوات تساعدها على تهدئة نفسها، وأصبحت أنا أيضًا أفهم احتياجاتها أكثر.
تعلمت من هذه التجربة أن الأطفال لا يحتاجون دائمًا إلى حلول سريعة، بل يحتاجون إلى شخص يفهم مشاعرهم، ويحترم إيقاعهم، ويمنحهم الوقت الكافي لينموا بثقتهم الخاصة أطفالنا ليسو نسخ مكررة في التربية الشي الذي ينجح مع طفل قد يؤثر في طفل آخر لذلك من الضروري القراءة والبحث وسؤال أهل الخبرة واستشارتهم .
فكل طفل له طريقته في مواجهة العالم، وما يبدو بسيطًا لطفل قد يكون معركة حقيقية لطفل آخر.
وربما أجمل ما خرجت به من هذه الرحلة أنني لم أعد أبحث عن طفل لا يخاف، بل عن طفل يعرف كيف يواجه خوفه، ويؤمن أنه قادر على تجاوزه… خطوة بعد خطوة.
شاركوني تجاربكم…
هل مر أحد أطفالكم بفترة من القلق أو الخوف من الانفصال أو الأماكن الجديدة؟ وما أكثر شيء ساعده على تجاوزها؟ لعل تجربة أحدنا تكون سببًا في طمأنة أم تعيش الرحلة نفسها.

التدوينة جاءت بمثابة طبطبة على قلبي ، ولدي يمر تقريبا بنفس المرحلة وأيضا من مواليد كورونا ، جزاك الله خيرا وأحببت الكتب جدا
LikeLike
تعليقك اسعدني ميمونة وأشعر بمشاعرك أتمنى لو شخص يشاركنا دراسة عن تأثير كورونا النفسي على مواليد تلك الفترة , حفظ الله أطفالنا
LikeLiked by 1 person
التدوينة جدا مثرية ومفيدة، لي تجرّبه في نفس المرحلة العمرية كان اختصارها في الحوار ثم الدعم العائلي من الوالدين والإخوة، ومع النمو العقلي والنفسي على مدى سنوات يتحسن الوضع كثيرا. شكرا على مشاركة التجربة وبارك الله فيكم وزادكم فهماً واستقراراً. تحياتي
LikeLiked by 1 person
العفو وشكرا لك أيضا على مشاركتنا تجربتك بارك الله في ذريتنا
LikeLike